هذا هو الموقف الذي أثر في نفسي أيما تأثير عندما قرأته لأول مرة منذ
دهر ، واحتفظت به ذاكرتي إلى هذه اللحظة ، وما زال تأثيره يتجدد
كلما قرأته وتأملته من جديد .
هذا الموقف قد أورده غير واحد من أهـل السير وحيث إن استمتاعي
وتأثري به لأول مرة كان قراءة متأنية لكتاب الرحيق المختوم ، فإني
سأقتصر على ما جاء فيه وفاء ، فأترككم للحياة والاستمتاع مع الحدث
فهو موقف مؤثر وإن كان معروفا من قبل :
موقف مؤثر من غزوة الأحزاب
قال المباركفوري : ثم إن الله عز وجل ـ وله الحمد ـ صنع أمراً من عنده خذل به العدو وهزم جموعهم، وفَلَّ حدهم، فكان مما هيأ من ذلك أن رجلاً من غطفان يقال له : نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي رضي الله عنه جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله، إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني ما شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما أنت رجل واحد، فَخذِّلْ عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة ) ، فذهب من فوره إلى بني قريظة ـ وكان عشيراً لهم في الجاهلية ـ فدخل عليهم وقال : قد عرفتم ودي إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا : صدقت . قال : فإن قريشاً ليسوا مثلكم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشاً وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فإن أصابوا فرصة انتهزوها، وإلا لحقوا ببلادهم وتركوكم ومحمداً فانتقم منكم، قالوا : فما العمل يا نعيم ؟ قال : لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن . قالوا : لقد أشرت بالرأي .
***
ثم مضي نعيم على وجهه إلى قريش وقال لهم : تعلمون ودي لكم ونصحي لكم ؟ قالوا : نعم، قال : إن يهود قد ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمد وأصحابه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه، ثم يوالونه عليكم، فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم، ثم ذهب إلى غطفان، فقال لهم مثل ذلك .
***
فلما كانت ليلة السبت من شوال ـ سنة 5هـ ـ بعثوا إلى يهود : أنا لسنا بأرض مقام، وقد هلك الكُرَاع والخف ، فانهضوا بنا حتى نناجز محمداً، فأرسل إليهم اليهود أن اليوم يوم السبت، وقد علمتم ما أصاب من قبلنا حين أحدثوا فيه، ومع هذا فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهائن، فلما جاءتهم رسلهم بذلك قالت قريش وغطفان : صدقكم والله نعيم، فبعثوا إلى يهود إنا والله لا نرسل إليكم أحداً، فاخرجوا معنا حتى نناجز محمداً، فقالت قريظة : صدقكم والله نعيم . فتخاذل الفريقان، ودبت الفرقة بين صفوفهم، وخارت عزائمهم .
***
وكان المسلمون يدعون الله تعالى : ( اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا ) ، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب، فقال : ( اللّهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللّهم اهزمهم وزلزلهم ) .
***
**